منتدى زِدْنِي عِلماً القانوني

لطالب العلم عز الدنيا وفوز الآخرة وخير الناس من نفع الناس
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 جميلة ... الروح الخالدة .. بقلم عبد الكريم لراك

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عبد الكريم لراك

avatar

عدد المساهمات : 39
تاريخ التسجيل : 19/08/2013

مُساهمةموضوع: جميلة ... الروح الخالدة .. بقلم عبد الكريم لراك   الجمعة يناير 19, 2018 1:55 pm

يا قفا نبك هل ترى يرجع العهد** وتبكي على الدروب الدروب

من لطائف ما أحفظ لتلك الفتاة أنها كانت آية في الصبر و الثبات و الاحتمال فهي رغم حداثة سنها و طراوة عودها لا تفتأ منكبة على كتب العلم و السير و القصص التي كنت أحضرها لها أيام السبعينات تلتهمها الواحدة بعد الأخرى و تبغي المزيد لديها ملكة الاستيعاب و القدرة على الاختزان و الجودة في الوصف و التعبير فما من موضوع ناقشته معها إلا و ألقيت لها فيه باعا و ما من أمر كتبت عنه إلا و أبدعت فيه أيما إبداع ؛ كانت تصغرني بعشر سنوات و إن أذكر لها شيئا لا أنساه فيوم تزوجت و تقرر بعد ذلك الرحيل إلى منطقة جد نائية هناك في الريف ؛ حيث السكينة المطلقة فلا مكتبات و لا صديقات ؛ و إنما الطبيعة الصلبة الجبلية و الخشونة المألوفة بين سكان أهل الريف ؛ و منطق الفتاة بعيد كل البعد عن هذا المصير الذي آلت إليه ؛ و مبدأها أنها اقترنت برجل دخل حياتها فجأة فلابد من الإخلاص و الوفاء له ؛ و الصبر على شطف الحياة و ما تأتي به المتغيرات و الظروف من مواقف و أحداث ؛ و مع ذلك صبرت و كان الصبر دوما من أخلاقها ؛ فيوم رحلت إلى الريف بكت والدتي و والدي بكاء مرا رأيت دموعا غاليات سالت من أجلها ؛ رأيت في أعين الإخوة الصغار أحاديث مليئة بالحزن مفعمة بألم الفراق ؛ و إن كان مؤقتا ؛ و ما زلت أذكر يوم ودعتها قولي لها : أيتها الأخت العزيزة أوصيك بنفسك خيرا تحلي بالصبر و الثبات و العزيمة القوية، كما كنت توريني إياها دائما ؛ لديك رصيد من الثقافة يسعفك بتسجيل كل ما تعيشيه و تشعري به سنكاتبك دائما فلا تنسي الكتاب و القلم ... و اغرورقت عيناها بسيل من الدموع لازالت صورة ماثلة بين ناظري إلى يومنا هذا ... و مرت سنة على زواجها و عاد زوجها من الخارج ليحملها إلى بلدتها تلك القديمة سيدي سليمان رفقة ابن صغير لها كله طهر و براءة كأمه و فرحت الأسرة يوما و يوما و عادت أختي إلى الريف من جديد لتشهد مراحل حاسمة في حياتها فخشونة العيش ازدادت و المعاناة اليومية تطورت و الزوج غائب في ديار الهجرة حتى أكمل الربيع دورته و أهل الصيف عام 1981 و إذا بالأسرة تنبأ بشيء ما و إذا بأبي و أمي يسافران على جناح السرعة إلى الريف لكن هيهات بعد فوات الأوان ؛ فالخبر يقول إن هذه الأخت العزيزة رحلت هذه المرة إلى جوار ربها و هي تضع مولودها الثاني ؛ ماتت جميلة و هي تقدم لهذه الدار الفانية حياة جديدة ؛ و ماذا عساه يجدي البكاء ؛ و هل تنفع كلمات الرثاء ؛ أم هل في الذكريات الحلوة العذبة القديمة بعض عزاء ؛ ماتت جميلة الجسد ؛ لكن طيفها و آثارها المنقوشة في أعماقنا لم تمت لأنها لم تكن كباقي الفتيات ؛ صمتها يغريك بالتأمل و كلامها القليل يبعث في نفسك الحبور و الانشراح ؛ هي إلى عالم العلم و المعرفة أقرب بكثير من جو التفاهة و اللعب و ما أذكر أني عنفتها في يوم من الأيام أو ضربتها لشيء ؛ فمنها تعلمت فن الكتابة ساعة رحلت أول مرة ؛ فرحمة الله عليك يا أختي العزيزة و إلى اللقاء في جنة الخلد إن شاء الله تعالى.

عبد الكريم لراك
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
جميلة ... الروح الخالدة .. بقلم عبد الكريم لراك
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى زِدْنِي عِلماً القانوني :: lفن, ثقافة, هوايات :: من روائع ذ. عبد الكريم لراك-
انتقل الى: