منتدى زِدْنِي عِلماً القانوني

لطالب العلم عز الدنيا وفوز الآخرة وخير الناس من نفع الناس
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الصحبة والجماعة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
سعيد الزعيم
Admin
avatar

عدد المساهمات : 314
تاريخ التسجيل : 08/11/2012
العمر : 29

مُساهمةموضوع: الصحبة والجماعة   الأربعاء أغسطس 21, 2013 3:52 pm

الخصلة الأولى: الصحبة والجماعة
الصحبة والجماعة تربية:
قال الله تعالى: محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم.(سورة الفتح، الآية: 29) نقف مع كلمة "معه"، فبهذه المعية والصحبة كانوا رجالا. ونقف عند التراحم بينهم، فبتلك المحبة الرحيمة كانوا جماعة.
فلا غرو إن جعلنا الصحبة والجماعة أولى الخصال، فقد أتبع الله عز وجل في الآية بعثة محمد صلى الله عليه وسلم بذكر المعية له، فهي أولى صفات المؤمنين، في ذلك الزمان وفي هذا وفي سائر الأزمنة، والرحمة بينهم مرآة لتلك المعية، ومن كان مع رسول الله فهو مع الله، ومن بايع رسول الله فقد بايع الله، ومن أحب رسول الله فقد أحب الله.
كان رسول الله صلى الله عليم وسلم يقول كلما ارتحل في سفره: "اللهم أنت الخليفة في الأهل والصاحب في السفر"، فلقوة تعلقه صلى الله عليه وسلم بربه عز وجل سرت من قلبه الطاهر مادة الإيمان إلى من صحبه، ثم امتدت الصحبة وراثة فكانت رحمة بين الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، تسري من قلب لقلب، ومن جيل لجيل، بالصحبة والمحبة والتلمذة.
الصحبة والمصحوب:
من أصول الشيخ البنا رحمه الله: "ومحبة الصالحين واحترامهم والثناء عليهم بما عرف من طيب أعمالهم قربة إلى الله تبارك وتعالى. والأولياء هم المذكورون في قوله تعالى: الذين آمنوا وكانوا يتقون،(سورة يونس، الآية: 63) والكرامة ثابتة لهم بشرائطها الشرعية، مع اعتقاد أنهم –رضوان الله عليهم– لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا في حياتهم أو بعد مماتهم فضلا عن أن يهبوا شيئا من ذلك لغيرهم".
المحبة والاحترام والثناء في حدود الشريعة هو ما يليق بالصالحين من هذه الأمة أحياء وأمواتا، وإنما نبه الشيخ البنا رحمه الله على بشريتهم وعجزهم عن النفع والضر لإلفات النظر كيلا يبقى في ذهن المؤمنين من هذه الخرافات التي تعيث فسادا في أوساط العامة من تقديس الرجل الصالح أو مجرد من تظهر عليه الخوارق وهو ليس من الله في شيء، ولكي يحذر من بدع عبادة القبور وتأليه البشر.
بعد هذا نقول: إن المحبة والاحترام والثناء على الصالحين من هذه الأمة قربة إلى الله لقول الله عز وجل معلما إيانا الأدب مع أحبائه، وملقنا إيانا صيغة الدعاء لهم، وموجب هذا الدعاء، وهو أنهم سبقونا بالإيمان، وعلمونا الإيمان: ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم.(سورة الحشر، الآية: 10)
لكن احترام الأولياء من بعيد، ومحبتهم بلا صحبة، والثناء عليهم دون أن يكون الثناء حافزا لنا على اللحاق بهم، أعمال لا تثمر إيمانا وإن أثمرت ثوابا، ومن الناس من يحترم الأموات، ويحب الأموات، ويثني عليهم وحدهم، معتقدا أنه لا ولي لله من معاصريه، هؤلاء يحرمون ثمرة صحبة الصالحين.
وإنما ينفع الله عز وجل المؤمن الصادق الجاد في الإقبال على ربه أول ما ينفعه بصحبة رجل صالح، ولي مرشد، يقيضه له، ويقذف في قلبه حبه. ومتى كان المصحوب وليا لله حقا والصاحب صادقا في طلبه وجه الله ظهرت ثمرة الصحبة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في ما رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح وقال فيه الترمذي: حديث حسن: "الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل"، والآيات والأحاديث المشيرة إلى الصحبة والحاثة عليها كثير، وكل تاريخ الإيمان يشهد بأن قلب الداعي إلى الله على بصيرة، نبيا كان أو وليا، هو النبع الروحي الذي اغترفت منه أجيال الصالحين بالصحبة، والملازمة، والمحبة، والتلمذة، والمخاللة.
وعلى قدر المصحوب إيمانا وإحسانا وولاية ينتفع الصاحب.
ومن المؤمنين من يرفع الله همته لطلب معرفة ربه والوصول إليه مع الذين أنعم الله عليهم، فمن كتب الله سبحانه له سابقة خير يسره لصحبة دليل رفيق، ولي مرشد.
في وصف الرغبة في الله ووصف الولي المربي نورد كلمات للشيخ عبد القادر الجيلاني. وليس هذا الرباني الصالح رحمه الله ورضي عنه الشاهد الوحيد على سر صحبة أولياء الله. إنما نقتصر على كلامه لإجماع علماء الأمة على صلاحه وإمامته وفضله.
قال رحمه الله يخاطب مريد وجه الله، يضع قدمه على أول مدرجة على الطريق إلى الله: "إذا أردت أن تصحب أحدا في الله عز وجل فأسبغ وضوءك عند سكون الهمم ونوم العيون ثم أقبل على صلاتك تفتح باب الصلاة بطهورك، وباب ربك بصلاتك، ثم اسأله بعد فراغك : من أصحب؟ من الدليل؟ من المخبر عنك؟ من المفرد؟ من الخليفة؟ من النائب؟ هو كريم لا يخيب ظنك، لا شك يلهم قلبك، يوحي إلى سرك، يبين لك، يفتح الأبواب، تضيء لك الطريق... فإذا اتحدت الجهات عند قلبك، وغلب الأمر على تعيين واحد، دونك واقصده".1
ثم بين للطالب الجاد أن المعايير الظاهرة لا تصلح للحكم على ولاية الله، قال: "لا تنظر إلى فقره ونقصان نسبه، وإخلال حاله، ورثاتته، وقصور عبارته. فإن المعنى في باطنه لا في ظاهره، في بنيته لا على وجهه. ولا تبدأه بالكلام (إجلالا له) ولا تبد له حالا (أي لا تكشف أسراره) انتظر فائدته من ربه، هو الكاتب والأمر لغيره. هو سفير، هو المشار -أي الخادم- والطبق لغيره. هو المعبر والعبارة لغيره، فتقبل ما يفتح الله على لسانه"2.
وقال يصف عطاء الله لأوليائه ونصره لهم: "إذا أراد الله عبدا لأمر هيأه له. هذا شيء يتعلق بالمعاني لا بالصور. إذا تم لعبد ما ذكرت صح زهده في الدنيا والآخرة- أي كان طلبه وجه الله فوق طلبه جزاء الآخرة لأن من أقبل الله تعالى عليه منحه خير الدنيا والآخرة- (...). تصير ذرته جبلا، قطرته بحرا، كوكبه قمرا، قمره شمسا، قليله كثيرا، محوه وجودا، فناؤه بقاء، تحركه ثباتا، تعلو شجرته وتشمخ إلى العرش وأصلها إلى الثرى(...). لا دنيا تملكه(...). فإذا تم هذا صلح هذا العبد للوقوف مع الخلق، والأخذ بأيديهم، وتخليصهم من بحر الدنيا. فإذا أراد الله بالعبد خيرا جعله دليلهم، وطبيبهم، ومؤدبهم، ومدربهم، وترجمانهم، وسانحهم، ومنحتهم، وسراجهم، وشمسهم".
وعن ضرورة الشيخ المربي لمريد الوصول إلى الله ومعرفته والقرب من جنابه يقول: "اصحب أرباب القلوب حتى يصير لك قلب. لا بد لك من شيخ حكيم عامل بحكم الله عز وجل يهذبك ويعلمك وينصحك".
وكما نصح الإمام الغزالي في كتابه "المنقذ من الضلال" بالصحبة، وكما برهن عمليا عن صدقه في طلب وجه الله وإيقانه بضرورة صحبة شيخ كامل حين خرج -وهو حجة المسلمين تشد إليه الرحال- في طلب مصحوب، تاركا المال والجاه والدنيا، كذلك ينصح الجيلاني حين يقول: "خذ مني دواء لمرض دينك، واستعمله وقد جاءتك العافية. من تقدم كانوا يطوفون الشرق والغرب في طلب الأولياء والصالحين الذين هم أطباء القلوب والدين. فإذا حصل لهم واحد منهم طلبوا منه دواء لأديانهم".
وقال رحمه الله حاثا على اتباع الكتاب والسنة وصحبة العارفين بالله عز وجل: "اتبع الشيوخ العلماء بالكتاب والسنة، العاملين بهما، وحسن الظن بهم، وتعلم منهم، وأحسن الأدب بين أيديهم، والعشرة معهم وقد أفلحت، إن لم تتبع الكتاب والسنة ولا الشيوخ العارفين بهما فما تفلح أبدا. ما سمعت من استغنى برأيه ضل؟ هذب نفسك بصحبة من هو أعلم منك".
ويصف الشيخ عبد القادر رحمه الله حال السالك إلى الله حين تجذبه إلى الله يد العناية، يقول: "يا غلام! ثم أمور باطنة لا تنكشف إلا بعد الوصول إلى الحق عز وجل، والقيام على بابه، ولقاء المفردين -وهم المشايخ العارفون بالله الذاكرون الله كثيرا– والنواب، والوقوف هناك. إذا ما صرت إلى باب الحق عز وجل، وأدمت الوقوف مع الأدب والإطراق -الخشوع الدائم– فتح الباب في وجه قلبك، وجذبه من جذب، وقربه من قرب، ونومه من نوم، وزفه من زف، وكحله من كحل، وحلاه من حلى، وفرحه من فرح، وآمنه من آمن، وحدثه من حدث، وكلمه من كلم"، والكتاب كله حكم فريدة.
عقد الأخوة:
لندرة الهمم العالية المتشوفة إلى معرفة الله، اليائسة من كل شيء دون الله، المضطرة الاضطرار الكلي إليه سبحانه، الظمأى إلى مورد قربه، يعز علينا نثر الحديث عن الإحسان وطريقه أكثر مما فعلنا، فيتخطاه الناس وهو حرمة من حرم الله. فنحيل على كتب مشايخ الطريق من حفظه الله من تدجيل الكاذبين وتشكيك الجاهلين.
درج السلف الصالح على عقد الأخوة في الله مع من يرتجون صلاحهم. وعقد الأخوة في الله نوع من الصحبة، دون التلمذة والمخاللة والسلوك الموجه. فكان علماؤنا وصلحاؤنا يكثرون من زيارة أهل الخير، ويتبركون بلقائهم، ويتواصون بأن يدعو بعضهم لبعض، ويذكر بعضهم بعضا بين يدي الله عز وجل في خلواتهم وجلواتهم وتهجدهم.
وفي الجماعة المنظمة المجاهدة ينبغي أن تفشو هذه الرابطة وتتمتن. فإن الله عز وجل إذا عرض عليه جماعة المؤمنين أمورهم تضرعا وتوسلا، يطلبون نفس الحاجة، ويبثون إلى مولاهم نفس الشكوى، ويقدم إلى بابه كل منهم حاجة إخوته، خليق أن يستجيب بكرمه ورأفته.
دعاء الرابطة:
ما سماه الشيخ البنا رحمه الله ورد الرابطة إنما هو تجسيم وتطبيق عملي لعقد الأخوة بين المؤمنين.
ونرى دعاء الرابطة ضروريا لربط المؤمنين في جماعة. فإذا سرى معنى الربط بتكرار المجالسة، وتكرار الوقوف بين يدي الله في الصلاة، والعمل المشترك، والدعاء الرابط التقت الصحبة بالجماعة ولم تكن الجماعة شكلا ولا الصحبة صحبة انفرادية.
ينبغي لكل مؤمن –والأفضل وقت السحر عندما ينزل ربنا عز وجل إلى السماء الدنيا يدعونا هل من تائب وسائل- أن يفتح دعاءه الرابط بالفاتحة، ثم يستغفر الله لذنبه، ويسأله لنفسه ووالديه وأهله وولده وذوي رحمه خير الدنيا والآخرة، ويصلي ويسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أنبياء الله ورسله. ثم على الخلفاء الراشدين والصحابة والأزواج والذرية. ثم على التابعين وصالحي الأمة وأئمتها. ثم يتلو معمما الدعاء: "ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا. ربنا إنك رؤوف رحيم". ثم على المؤمنين المجاهدين في عصرنا ويعرض على الله حوبتنا ويستفتح للمجاهدين. ثم يخصص بالدعاء من يربطه بهم رباط الجهاد ويذكر الأسماء. ثم يسأل الله لأمة محمد صلى الله عليه وسلم الرحمة والمغفرة والنصر وخير الدنيا والآخرة. ويتوجه في دعائه هذا لمستقبل الإسلام والخلافة والظهور على الأعداء.
بهذا يستشعر المؤمن انتماء إلى الموكب النوراني -موكب الإيمان والجهاد- من لدن آدم إلى يوم القيامة فيدخل في بركة أمة الخير التي تولاها الله. ويزداد صلة إيمانية ومحبة بمن يدعو لهم عن ظهر غيب من إخوته.
لا جهاد إلا بجماعة منظمة:
المسلمون في العالم بحاجة ماسة لتوحيد الكلمة، والفكر، والخط، والمنهاج. من المسلمين من يقتصر في دعوته على العلم، ومنهم من يقتصر في تربيته على التقوى الفردية، ومنهم من يجعل كل همه الفكر الإسلامي، ومنهم من تغلبه الحركية فيتحرك على سطح الواقع لفقدانه عمق الإيمان الكفيل وحده بإكسابنا الثقة بالله، وترشيحنا لتلقي نصر الله، والخلافة في الأرض عن الله.
ومما يفرق ولا يجمع وجود صحبات لا تفضي لجماعة. ووجود تقوى لا تتفتح على جهاد.
يكون هذا حتى بين أولياء الله الصادقين أهل النور والفتح. ننظر إلى مستقبل الإسلام، ونحن على يقين من أن الخلافة على منهاج النبوة وعد من الله ورسوله غير مكذوب، وعد الله حقا، ومن أصدق من الله قيلا. ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، فلا بد من أن يتولى تربية جند الله صالحو الأمة من أولياء الله. فإذا اعتبرنا أن من أولياء الله من لا وعي له بحاضر الإسلام ولا بمستقبله، ولا كفاءة له لتنظيم الجهاد وقيادته مع وجود فضله وعلمه، ومع ظهور كرامة الله له، برز لنا مشكل ليس بالسهل حله.
ذلك أن تعدد الصحبة، وتعدد "المتبوعين المقدمين" كما يعبر الغزالي، قد يكون سببا في صدع وحدة الجماعة. فإن أولياء الله العارفين به ما هم في درجة الصحابة رضي الله عنهم، فهم أكثر تعرضا للخلاف منهم. ولا هم معصومون. فيخشى أن ينشأ عن تفرقهم تفرق الأمة من حيث نسعى للجمع.
فكيف نجمع بين صحبة مشايخ يدلوننا على طريق معرفة الله فيربون لنا رجالا محسنين هم على كل حال صلب الجماعة وقوامها، مع الاحتفاظ بنظام الجماعة ووحدتها؟
فطر الله عز وجل هذا الإنسان على الأنانية والدعوى، فقلما ما تجد بشرا لا يحدث نفسه بالرئاسة على الأمثال حتى ولو كان من المؤمنين. قال أحد الصالحين : آخر ما يخرج من قلب العارفين بالله حب الرئاسة.
فنزيد على ما درج عليه سلفنا الصالح من شروط الولاية وأهلية التربية -وقد ذكرنا بعضها على لسان الجيلاني- شرطا نعتبره أساسيا للحفاظ على وحدة الصف.
نعتبر شيخا ومربيا صالحا للجهاد من آتاه الله من فضله، زيادة على ما يؤتي أحباءه من فتح، ومعرفة بربه، وتقوى، واتباع لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، مزية لا تعدلها -بالنسبة لمستقبل الأمة- مزية، خصلة من خصال الإيمان لا تعدلها خصلة بالنسبة لمستقبل الأمة، ألا وهي جمع الجماعة والحفاظ على وحدتها.
يشجع جند الله على صحبة من ظهر فضله من صالحي الأمة وعلمائها العاملين بشرط، هو أن لا تتنافى تلك الصحبة مع الجماعة، أي لا يغلب جانب التأمل، والذكر المنفرد، والتقوى الانعزالية والخلوة القاعدة، جانب التحرك والجهاد لإقامة الدولة الإسلامية والخلافة على منهاج النبوة.
الصحبة والجماعة تنظيما:
نسمي "تربية متوازنة" تلك التربية الإيمانية التي لا تقصر بالمؤمن عن درجة المجاهدين ولا تجعله من غثاء الحركية الجوفاء الخالية من لب الإحسان.
التربية المثلى هي التي تجعل من جندي الله عارفا بالله مجاهدا في سبيله، فمن المتصدين للجهاد من هم في حماس إيماني دون الصدق. ومن أولياء الله من اعتزل الناس فلا يحدث نفسه بإحياء غيره فضلا عن إحياء أمة.
وكيفما كان فضل الرجل الصالح فإن الله عز وجل أعطانا معيارا للأفضلية حيث قال: فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى، وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما.(سورة النساء، الآية: 95-96)
قد تجد وليا لله يجمعك على الله مع القعود.
خير منه ولي لله يجمعك على الله مع الجهاد.
قيادة من عامة المؤمنين تنظم جهادا وتقوى على تنفيذ مهماته خير للأمة من محسنين قاعدين بميزان ما نرى، وقد أعلمنا الله أن لهذا الميزان شأنا حيث قال: وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمومنون(سورة التوبة، الآية: 105) فجعل حكمنا على ما نرى من نتائج عمل بعضنا حكما لاحقا بحكم الله ورسوله.
لكن جماعة لا تتجاوز قيادتها مستوى عامة المؤمنين جماعة كالجماعة وليست بها، ليست بها حتى يكون اللب الإحساني فقار ظهرها وسر نشأتها، وعماد بنائها، حتى يكون حب الله ورسوله حاديها، والشوق إليه عز وجل رائدها والسير إليه منهاجها.
فإذا أراد الله بجماعة المؤمنين رشدا قيض لها من أوليائه من يشد أواصرها بالصحبة المستمدة قوتها من القلوب، الواقفة على باب الله تطرق، تسترحم، تستفتح، تتضرع، تبكي شوقا ولهفة. كل ذلك والجوارح آخذة في تعبئة الجهود، والعقول منكبة على العلم النافع وإعداد ما أمرنا به من قوة الخبرة والتخطيط.
الجماعة المؤمنة المجاهدة تركيب عضوي كالجسد الواحد. فقيادة تمثل الرأس المفكر دون أن تكون في نفس الوقت قلب الجماعة الحي قيادة لا تجمع الكفاءتين الإيمانيتين: الرحمة القلبية والحكمة العقلية. وقيادة ذات رحمة في القلب ونورانية وكرامات لا تقدر على فهم الواقع والتخطيط للمستقبل والتنفيذ قيادة كسيحة بميزان ما نرى ونحكم، وإن الله لمع المحسنين(سورة العنكبوت، الآية: 69) المحسنين يعبدونه سبحانه كأنهم يرونه، المحسنين في فهم مهمات الجهاد وتنفيذها، وقد كتب الله الإحسان على كل شيء، من رأس الأمر كله وهو صلاح القلب إلى ما يتبع من جليل الأمر ودقيقه.
الإمام المصحوب:
روى الإمام البخـاري عن المسور بن مخرمة رضي الله عنه قال: "لما طعن عمر جعل يألم، فقـال له ابن عباس –رضي الله عنهما- وكأنه يجزعه –يصبره ويسليه-: "يا أمير المؤمنين! ولئن كان ذاك! –أي لنفرض أنك مت من طعنتك هذه- لقد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راض. ثم صحبت أبا بكر فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راض ثم صحبت صحبتهم –بفتحتين أي أصحابهم- فأحسنت صحبتهم، ولئن فارقتهم لتفارقنهم وهم عنك راضون. قال –أي عمر-: أما ما ذكرت من صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضاه، فإنما ذاك من من الله تعالى من به علي. وأما ما ذكرت من صحبة أبي بكر ورضاه فإنما ذاك من من الله جل ذكره من به علي. وأما ما ترى من جزعي فهو من أجلك وأجل أصحابك. والله لو أن لي طلاع الأرض -أي ملئها- ذهبا لافتديت به من عذاب الله عز وجل قبل أن أراه!".
من حديث للبخاري أن عثمان رضي الله عنه قال: "أما بعد فإن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق، فكنت ممن استجاب لله ولرسوله، وآمنت بما بعث به، وهاجرت الهجرتين كما قلت. وصحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وبايعته. فوالله ما عصيته ولا غششيته حتى توفاه الله، ثم أبو بكر مثله، ثم عمر مثله".
نرى أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا ينزلون خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلته في حسن الصحبة والطاعة، ويرون رضا الأمير من رضا الله، لم تكن العلاقة بين أمير المؤمنين ورعيته علاقة سلطة فقط، بل كانت علاقة كلية لا ينفصل فيها الحب والإخلاص عن الطاعة والامتثال.
فكان الأمير مصحوبا ترجى بركته، ورئيسا يطاع أمره. كانت طاعة أولي الأمر لاحقة بطاعة الله ورسوله منشقة منها، وكانت محبة الأمير من محبة الله ورسوله.
فالخلافة على منهاج النبوة لا تكون كذلك إلا إن ولي أمر المسلمين رجال توفر لهم التقوى والحظ من الله بقدر ما توفر لهم الغناء والكفاءة التنفيذية.
في مجتمعات الجاهلية والفتنة علاقات سلطوية على كل المستويات. في الإسلام تسبق الدعوة الدولة، فإن اجتمعت الدعوة والدولة في يد جماعة المؤمنين فالأمير مرب مصحوب، وظيفته التربوية لا تنفك عن وظيفته السلطوية، بل تستمد هذه من تلك وتتقوى بها، فإنما نطيع أولي الأمر منا لأن الله أمرنا بذلك. العقد الإماري لا بد منه فهو شرع، لكن طاعة الأمير وحسن صحبته وإجلاله وتوقيره عبادة.
فإن اتبعتني:
ذهب موسى للقاء الخضر عليهما السلام، يلتمس منه علماً كما أوحى الله إليه. وقص الله تعالى علينا نبأ موسى في رحلته مع فتاه قال عز من قائل: فوجدوا عبداً من عبادنا آتيناه رحمه من عندنا وعلمناه من لدنا علماً. قال له موسى عل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشداً. قال إنك لن تستطيع معي صبراً، وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً. قال ستجدني إن شاء الله صابراً، ولا أعصي لك أمراً. قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكراً.(سورة الكهف، الآيات: 65-70)
عقد تلمذة بمقتضاه التزم التلميذ موسى، وهو النبي الرسول من أولي العزم، باتباع شيخه، وطاعته، والصبر على مبادرته. وفي القصة تشريع موعظة للأمة التي تتلوا القرآن. كان موسى فردا في هذا العقد كما كان الخضر عليهما السلام، فهي صحبة فردية.
أما العقد الإماري والبيعة الخلافية فالالتزام التربوي فيها ضمني. عندما يبايع المبايع على السمع والطاعة في المنشط والمكره وأثرة عليه، فإنما يسلم أمر نفسه للأمير والخليفة في كل شؤون دنياه وآخرته. فلما فسد الأمراء، وتسلطوا عليها بالسيف، ولم تكن لهم أهلية أن يربوا فتنفع صحبتهم، اختل الأمر كله فأصبح ملكا.
ولغد الإسلام يختار المؤمنون أولي الأمر منهم، ويختارون من ينفع الله بصحبته كما ينفع برأيه وقوته على البناء. القوي الأمين، رجل يقوى على ضبط شؤون الأمة سياسة وإدارة وتنفيذا، ويؤتمن على دين الأمة تربية وحفظا ودلالة على الله عز وجل.
ومن السنة أن يفرد الإمام من يشاء بعقد الصحبة الخاص كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن كان العقد الضمني على الصحبة باعتبار أن رضى الأمير من رضى الله كما رأينا غير كاف، فالحديث التالي يفتح مجالا لإبراز جانب الدعوة والتربية في وظائف الأمير.
أخرج البغوي وأبو نعيم وابن عساكر عن عتبة بن عبد رضي الله عنه قال: "بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع بيعات: خمسا على الطاعة واثنتين على المحبة".
الإخاء بين المؤمنين:
صحبة طاعة وتلمذة بين عامة المؤمنين وأميرهم بالإحسان، بها يتعرضون جميعا لرضى الله. وصحبة أخوية بين رجل ورجل على شرط التلمذة والتوقير والطاعة، كما رأينا في صحبة موسى للخضر عليهما الصلاة والسلام. والجمع بين الصحبتين في المجتمع الإسلامي المتجدد، في التنظيم الدعوي قبل قيام الدولة الإسلامية وبعدها، سنة مرغوب فيها.
فقد آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، فعين للأنصاري أخا له من المهاجرين ليصحب هذا الحديث العهد بالإسلام أخا له سبقه بالإيمان، فينتفع بملازمته، في نفس الوقت الذي يصحب فيه الاثنان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فينتفعان بتلك الصحبة النبوية المباركة.
لم تكن الصحبتان متنافيتين، بل كانتا متكاملتين. ونرجو الله عز وجل أن يقيض لجماعة المؤمنين في أطوار تألفها في غد الإسلام أولياء له يربون الأجيال الطاهرة في وجهة الجمع والتأليف الجهادي لا حسب صحبة الاعتزال والخلوة. فإن كان هذا الأسلوب الفراري ملائما أيام كان الإسلام في ضمور وتقلص، فلا مكان له غدا إن شـاء الله -وقد بدأ هذا الغد الأغر والحمد لله- والإسلام في إقبال، وداعي الله في القلوب ينادي: حي على الجهاد.
لا تكاد تجد من يشير في سياق الحديث عن إخاء النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار لغير تبادل المصالح المعاشية بين الإخوة.كان ما نعرفه ونكبره من إيثار الأنصار رضي الله عنهم إخوتهم على أنفسهم حتى مدحهم الله جل شأنه في قرآن يتلى ليستمر العمل بمقتضاه أبد الدهر. قال الله تعالى يذكر نتائج هذه الصحبة في قلوب الأنصار بصحبة المهاجرين: للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله، أولئك هم الصادقون، والذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتو ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة.(سورة الحشر، الآيتان: 8-9)
لكن المحبة والصحبة كانتا المطلب التربوي من هذا الإخاء. اقرأ جيدا يحبون من هاجر إليهم، فهي صحبة الإيثار، وكان الإيثار على النفس نتيجة لها، ثم انظر كيف وصف الله تعالى المهاجرين بالصدق هنا وكيف أمر بصحبة الصادقين في قوله جل ذكره: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين.(سورة التوبة، الآية: 119)
"مع" و"أحب" كلمتان إن تتبعتهما في الكتاب والسنة بقلب مشتاق ظهر لك سر الصحبة إن شاء الله.
ولتبادل المصالح بين الإخوة، وتخصيص المؤمن بصديق صاحب تكون قوية أواصر المحبة والخدمة المتبادلة بينهما، سند في كتاب الله عز وجل حيث قال: ليس على الأعمى حرج إلى أن قال: ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم إلى أن قال: أو صديقكم،(سورة النور، الآية: 61) فجعل سبحانه الأكل من بيت الصديق كالأكل من بيتنا أو بيوت آبائنا و أهلنا.
ألفة وتداخل ورحمة، وسنرى في شعب الخصلة مدى اتساع دائرة الصحبة المطلوبة حتى أنها تعم المجتمع كله القريب والأقرب والصالح والأصلح.
لا بد للمؤمن من صاحب صديق مختص به في الصحة والمرض، في الحاجة تقضي، في التعهد من قريب. فشبكة الأخوة الإيمانية ليست حلما شفافا، بل أن لها من كثافة الحاجات الأرضية ما يبرر أن تخصص داخل الأسرة التربوية وخارجها علاقات ثنائية تخدم الجماعة، وتخفف بتبادل الخدمة وقضاء الحاجة حركة الجماعة، وتقتصد من وقتها وجهدها.
التماس الصحبة والخير:
يجعل من صلب العمل المنظم أثناء السياحة للدعوة زيارة أهل الخير والصلاح، فذلك من سنة هذه الأمة.
وقد أوصى رسول الله عليه صلى الله عليه وسلم أصحابه إن أدركوا أويسا القرني -ووصفه لهم- أن يلتمسوا منه الخير، والحديث طويل عند مسلم في كتاب فضائل الصحابة.
وروى الإمام البخاري عن المغيرة عن إبراهيم عن علقمة قال: "قدمت الشام فصليت ركعتين، ثم قلت: اللهم يسر لي جليسا صالحا، فأتيت قوما فجلست إليهم، فإذا شيخ قد جاء حتى جلس إلى جنبي، قلت: من هذا؟ قالوا: أبو الدرداء، فقلت: إني دعوت الله أن ييسر لي جليسا صالحا فيسرك لي".
وروى الترمذي من طريق خيثمة بن عبد الرحمن قال: "أتيت المدينة فسألت الله أن ييسر لي جليسا صالحا. فيسر لي أبا هريرة، فقال: ممن أنت؟ قلت: من الكوفة جئت ألتمس الخير".
فالخير الذي التمسوه رضي الله عنهم هو لقاء الأخيار، وبهذه اللقاءات والتجالس والاتباع والصحبة بقي الخير في هذه الأمة.
صحبة الشعب:
ينبغي لجند الله أن يتعبأوا للتغلغل في الشعب قصد إيقاظه وتربيته والتماس الخير عند أهل الخير. وما من جلسة ولا وقفة مع شخص من خلق الله، تدعوه إلى الله، وتحاجه في الله، وتتحبب إليه في الله، وتذكره بالله، إلا وهي حركة مباركة.
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير الحركة دائبها في الدعوة. روى ابن القيم في "زاد المعاد" عن أبي الزبير عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبث عشر سنين يتبع الناس في منازلهم في الموسم ومجنة وعكاظ يقول: "من يؤمنني؟ ومن يؤويني؟" ومن ينصرني حتى أبلغ رسالات ربي فله الجنة؟". اتباع الناس والإلحاح عليهم في كل مكان ومناسبة وبكل أسلوب حكيم، هذه سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم.
ينبغي أن تنظم تنظيما بادرة الرحمة التي يجدها المؤمن في قلبه عند توبته ودخوله في الصف الإيماني، التي تدفعه إلى الناس ليدعوهم إلى الخير.
تنظم هذه البادرة وتصان أن يدركها الفتور، فمكان المؤمن مجالس الناس ونواديهم وتجمعاتهم مهما كانت. وكلمته لكل من لقي عفوا في تنقلاته، في الحافلة وفي مدرسته، ومكتبه، ومعمله، وجواره، وشارعه، الدعوة إلى الله. ولا يترك الفرص تأتي عفوا بل يهيئها، يقصد الناس يهجم لا يمل بالوجه الباسم، والكلمة الطيبة، والخلق الجميل.
باب الدعوة الصحبة، فكن كلمة الحق التي لا تخجل، ووجه الخير الذي لا يعبس أن جاءه الناس، بل يسعى هو إلى الناس.
ساعي الخير كن، وكن حيث يحب الله أن تكون، بالوصف الذي يحب: ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين؟.(سورة حم فصلت، الآية: 33)
شعب الخصلة
نذكر شعب الإيمان كما صنفناها بإيجاز، ويرجع لكتابنا "شعب الإيمان" يسر الله تحقيقه وطبعه، ففيه من الأحاديث المفصلة ما يعطي لكل شعبة دلالتها مبنية على كلام المعصوم صلى الله عليه وسلم، وسأرقم الشعب من 1 إلى 77 إن شاء الله.
الشعبة الأولى: محبة الله ورسوله
يعرف المؤمن أن لله عز وجل أولياء، فالولاية العامة هي ولاية المؤمنين في قوله تعالى: ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون.(سورة يونس، الآيتان: 62-63) والولاية الخاصة في قوله عز وجل من قائل: يختص برحمته من يشاء.(سورة آل عمران، الآية: 74) أولياء الله يحبهم ويحبونه، فيسعى المؤمن لمحبتهم ليدرجوه، ويعلموه محبة الله ورسوله. وما لصحبة الأخيار من غاية إلا أن يدلوك على الله ويحببوه إليك، فإذا علمت أن الله عز وجل يتقرب إليه بالفرض والنفل حتى يحب العبد فيكون سمعه وبصره ويده ورجله كما يليق بجلاله سبحانه، وذقت حلاوة الإيمان، ثم تنسمت ريح القربة حتى أصبح همك الأول الله، وغايتك وجهه ومحابه، ومحاب رسوله مبتغاك، فقد أشرفت على قمة العقبة.
وما يشرف عليها من لم يصبح الله ورسوله أحب إليه من نفسه ووالده وولده. روى البخاري وغيره أن رسول الله صلى عليه وسلم قال: "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده"، بعضهم يعمد إلى تعبير المؤمنين عن هذه المحبة كالتسييد ينتقده. يوشك هؤلاء أن ينسونا أن محبته صلى الله عليه وسلم البالغة شرط في الإيمان، لا إيمان بدونها.
الشعبة الثانية: الحب في الله عز وجل
ولا بد لك في الطريق من دليل يدلك على الله، ورفقة يربط الله عز وجل بمثالهم واستقامتهم في السير قلبك.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه عز وجل: "حقت محبتي للمتحابين في، وحقت محبتي للمتواصين في، وحقت محبتي للمتناصحين في، وحقت محبتي للمتزاورين في، وحقت محبتي للمتباذلين في. المتحابون في على منابر من نور، يغبطهم بمكانهم النبيون والصديقون والشهداء" رواه الإمام أحمد وابن حبان والحاكم والقضاعي عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه.
هذا الحديث دستور الصحبة وبرنامجها.
الشعبة الثالثة: صحبة المؤمنين وإكرامهم
صحبة الأخيار، وزيارتهم، وإكرام الزائر، وإكرام ذوي الحرمة من العلماء، والصالحين، وآل البيت، وعامة المسلمين. وتوقير الكبير، ورحمة الصغير. المجتمع الإسلامي مجتمع إخاء ورحمة، فيعبر عن هذه الأخوة بكل معاني الإكرام والإحسان، مع إنزال الناس منازلهم حسب غنائهم في الإسلام وسابقتهم وحظهم من الله عز وجل.
الشعبة الرابعة: التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في خلقه
كان خلقه صلى الله عليه وسلم القرآن، يعطي كل ذي حق حقه، ثم يفيض خيرا ورحمة على العالمين ينبغي تقصي هديه صلى الله عليه وسلم في كتب الشمائل، واتباع سنته صلى الله عليه وسلم في عظائم الأمور ودقائقها. فالسنة الشريفة وحدها كفيلة أن توحد سلوكنا، وتجمعنا على نموذج واحد في الحركات والسكنات، في العبادات والأخلاق، في السمت وعلو الهمة. فإنه لا وصول إلى الله عز وجل إلا على طريق رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا حقيقة إلا حقيقته، ولا شريعة إلا شريعته، ولا عقيدة إلا عقيدته، ولا سبيل إلى جنة الله ورضوانه ومعرفته إلا باتباعه ظاهرا وباطنا. فذلك كله برهان عن صدقنا في اتباعه، إذ فاتتنا صحبته.
الشعبة الخامسة: التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته
الاستقرار في البيت، وحسن التعامل فيه، من أهم ما ينبغي أن يميز المؤمنين. وإنه لجهاد يقتضي رحمة وحكمة، لا سيما في فترة الانتقال من مجتمع الفتنة إلى المجتمع الإسلامي. للناس عادات ومشارب، والبيت مغزو بأدوات الإعلام الفتنوية. ولأهل كل بيت فتن. فعلى المؤمنة والمؤمن ألا يعنفا على أهل بيتهما بما ينفر. الجهاد في البيت جهاد دعوة وصبر ومصابرة. وإحسان المؤمنة والمؤمن بعد توبتهما أشد تأثيرا على أهلهما من التعنيف. فإذا اكتشف الأقارب مع التوبة أن صاحبهم أو صاحبتهم صارا أوطأ كنفا، وأحسن خلقا، وألطف معشرا، وأوفى عهدا، مما يعهدون، فقد أوشكوا أن يحبوا الدعوة ويأنسوا إليها. وقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم سياسة في أهله، ورقة ولطف بالأطفال، وقيام عليهم وخدمة.
الشعبة السادسة: الإحسان إلى الوالدين وذوي الرحم والصديق
من المؤمنين من يفتقد عند تربيته مرشدا يدله على الرفق. فإذا كان له أبوان وذو رحم سادرون في الغفلات، أو يعلم الله ما عندهم من موبقات، أعلن الابن والابنة الحرب على الوالدين والأقارب، وخسرت الدعوة فرصة لتبليغ الناس أن الإسلام رحمة وطهارة وسلم للعالمين.
يرتكب التائب الذي لا مرشد له كبيرة عقوق الوالدين لمجرد أنه لا يجد عند أمه وأبيه ذلك الالتزام بالسنة كما يقرأه في الكتب.
ألا إن مجتمعنا مفتون، ولا يمكن طلب الاستقامة من الناس، ومن نظام الأسرة والمجتمع المتأثر بالجاهلية المبني على قيمها، قبل أن نعيد بناء الإسلام.
قال الله تعالى: ووصينا الإنسان بوالديه، حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين. أن اشكر لي ولواليك. إلي المصير. وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما. وصاحبهما في الدنيا معروفا. واتبع سبيل من أناب إلي. إلي المصير.(سورة لقمان، الآيتان: 14-15)
وانظر عند الشيخين قصة جريج حين قدم صلاته على تلبية حاجة أمه. فهي موعظة لنا ألا نعق والدينا، ولا نقاطع أقاربنا، باستعلاء العابد الذي يحسب أن ركعاته تغنيه عن بر من أمرنا ببره.
أضل ما يمكن أن يكون الأبوان أن يدعوا الولد والبنت لكفرهما. وما أمرك الله عندئذ بالعنف عليهما. إنما أمرك برفض الكفر مع إبقاء علاقات الصحبة لهما بالمعروف. فما بالك بمن يعق والديه المسلمين لبدعة إضافية أو معصية. "واتبع سبيل من أناب إلي": ينبغي للمربي المتبع -أرأيت أن الله عز وجل ما ترك لنا فرصة للحث على صحبة الأخبار إلا خاطبنا بها- أن يقود برفق حركة التجديد في الأسر، لتحبيب الإسلام للناس، وتفادي معصية الله تعالى بتعريض النشئ للعقوق. ومتى كانت الأم صالحة فهي أول صحبة نافعة أمر الشارع صلى الله عليه وسلم برعايتها. روى الشيخان أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: "من أحق الناس بحسن الصحبة؟" قال: "أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبوك ثم أدناك أدناك". أي الأقرب فالأقرب. هذا إن كانوا صالحين وصحبة الأخيار هي المعتمد على كل حال.
علموا الشباب صلة الرحم وصلة القريب.
الشعبة السابعة: الزواج بآدابه الإسلامية وحقوقه
الاستقرار الاجتماعي بالزواج، والإنجاب، وحمل مسؤولية بيت، من أهم ما يعين على ترشيد الرجال. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الشيخان عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يخاطب الشباب: "يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج. ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء".
للإسلام سنن في اختيار الزوجة ذات الدين، واختيار الأزواج من ذوي الدين والخلق. فلا حاجة لالتماس نشر الدعوة بتزويج المؤمنين والمؤمنات ممن ترجى توبتهم. فإنها مضيعة لمستقبل شبابنا. لنركز اهتمامنا على تأسيس مجتمع طاهر بتخصيص الطيبين للطيبات والسعي في تقريب فئات الإسلاميين بالزواج.
ولتكن أعراسنا مناسبة للدعوة وفرض سنن الإسلام في إقامتها. ولا بد في هذا من مصانعة الأسرة وتليينها للتنازل عن المهور الغالية، والتكاثر في النفقة، والغلو في اقتناء الأثاث، وقصم ظهر الخاطب بالشروط.
ثم ليتق الله شبابنا وشوابنا أن يقيموا أمر الله في عشرة الزواج. فإن الطباع قد تتنافر حتى بين المؤمنين والمؤمنات. وليست تظهر آثار التربية والدعوة في رخاء الأسرة التربوية والتنظيم الحركي المتآلف إنما تظهر في تخلق الزوجين المؤمنين و في صبرهما على ما يبدر من حدة. لا سيما في أوائل العشرة.
الشعبة الثامنة: القوامة والحافظية
جمع الله عز وجل وظيفة الزوج ووظيفة الزوجة في قوله جل ذكره: الرجال قوامون على النساء بما فضل الله به بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم. فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله.(سورة النساء، الآية: 34)
فالرجل مسؤول عن رعيته يربيها، ويطعمها، ويكسوها، ويحميها، ويقيها نارا وقودها الناس والحجارة بتوجيهها إلى الإيمان. والمرأة حافظة لغيب الرجل، حامية لظهره، كي ينبعث إلى جهاده آمنا أن تظهر من خلفه عورة تكسر صلبه. جند الله كتائب بعضها يغشى ساحة الجهاد على كل الجبهات، وبعضها خصص الله له الجبهة الأمامية جبهة إعداد المستقبل، جبهة الحفاظ على الفطرة وسط المجتمع المفتون، حتى تبرز أجيال غد الإسلام لموعود الله عز وجل.
ولنسائنا مهمة أشق من مهمة الرجل. ذلك أن مجتمع النساء بيننا جمع بين الحفاظ على التقاليد البالية والسلوك الغازي. فمثقفاتنا بما يشعرن من تخلفهن عن ركب الدعارة الجاهلية (في الجملة) أشد تحللا وانحلالا من أمثالهن من الرجال. وما عند شعبياتنا من خرافات مردها للبؤس والجهل، والظلم، وطول الأمد، والانبهار بالأسر الثرية، وتقليدها في عادات التبذير، كفيل أن يدفعهن لعداء الحجاب والحشمة والتقوى بمثل عداء الأخريات أو أشد.
لكن فطرة الإسلام الموروثة لا يزال لها وجيب تحت رماد الفتنة. فالنساء إن صلحن كن الركن الركين في بناء المجتمع الإسلامي المتجدد.
فعلى المؤمنات أن يعرفن جبهتهن.
وعلى رجال الدعوة قبل قيام دولة الإسلام وبعده أن يعطوا لبؤس المرأة وحرمانها وظلمها ما تطلبه من النصفة أول الأوليات.
الشعبة التاسعة: إكرام الجار والضيف
يتوسع مفهوم الصحبة والجماعة بتقدمنا في عد شعب هذه الخصلة. فمن محبة الله تعالى، وهو أقرب إلينا من حبل الوريد، إلى محبة حبيبه وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم، إلى محبة أوليائه تعالى والأخيار من أمته صلى الله عليه وسلم، إلى الوالدين والأقربين، والزوج والزوجة فالجار بالجنب فالضيف العابر.
وهكذا تكون الدعوة رحمة جامعة بين المؤمن وخالقه، ثم تفيض فتعم من أمر الله ورسوله بمحبتهم وإكرامهم وحسن عشرتهم. وهكذا تتكون على نور محبة الله تعالى نواة المجتمع الإسلامي والأخوي وتتوسع.
ويمتاز المجتمع الإسلامي بحسن التجاور بين المسلمين. من أهم ما تشكوه مجتمعات الاستهلاك المكونة من الأسر الأنانية على نمط الجاهليين أن الناس أصبحوا لا يأبه بعضهم لبعض، ولا يهتم، ولا يتكلم، ولا يعرف. فآصرة الأخوة الإسلامية الجامعة تقرب الأسر، وتربطها بحقوق ضبطها الشرع وحث عليها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الشيخان عن عائشة رضي الله عنها: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه".
أما إكرام الضيف بالقرى والخدمة والملاطفة، فهو سمت الدعوة، وأهم آدابها. بيوت المؤمنين هي معاقل الدعوة ورباطاتها. فينبغي للمؤمنين والمؤمنات أن يفتحوا بيوتهم للواردين. وعلى الدعاة أن يضربوا المثال في ذلك. فداعية لا يفتح باب داره، وباب قلبه، وبشاشة وجهه، للمؤمنين والواردين دعي.
ولا كلفة مما يعتاده الناس. فمتى بقيت الكلفة بين المؤمنين، أو خجلت المؤمنة أن يدخل بيتها وارد وواردة دون أن تقيم طقوس مجتمع التكلف والاستهلاك، فأمر الدعوة في ذلك البيت إلى غير رشد.
الشعبة العاشرة: رعاية حقوق المسلمين والإصلاح بين الناس
فرض الله تعالى على المؤمنين الولاية والتناصر والتعاون. وإن تجديد الإسلام وإقامة الخلافة الإسلامية مسيرة شاقة لجند الله، تقاومهم قوى الشر المتضامنة المتألبة. فسبيل المؤمنين أن يتقدموا يدا في يد ويواجهوا قوى الباطل. وعلى جند الله أن يبسطوا يد الرحمة للمسلمين، ويبرهنوا للشعب بحملهم همومه، ورعايتهم لحقوقه، أن برنامج الحل الإسلامي إقامة مجتمع العدل والرحمة والكرامة.
على مستوى التنظيم تشاع مستلزمات الأخوة بين جند الله، يكرم بعضهم بعضا، ويصلحون ذات بينهم، ويسترون عورات الناس ما لم يكن فسق، أو بدعة قادحة في العقيدة، أو خيانة لأمانات الجماعة.
ومن مكملات الدعوة إدخال السرور على المسلمين، وتنفيس كربهم، ومدافعة اضطهاد المستكبرين عنهم. حتى إذا اجتمعت الدعوة والدولة في يد المؤمنين كان معنى هذه الشعبة إقامة مجتمع يكرم فيه المسلمون، ويكرم فيه الإنسان.
الشعبة الحادية عشرة: البر وحسن الخلق
من المؤمنين من ينقص إيمانهم لسوء خلقهم، وغلبة الطبع الغضبي عليهم، حتى لا تجد لهم حظا من هذا الشعبة، سوء الخلق العابر لمزعج أو هم طارئين يمكن علاجه. أما صاحب الطبع الحاد الذي لا يصلح للعشرة فعلاجه أن يجنب التنظيم. لأن الاستقرار النفسي شرط أساسي في بناء الجماعة. فأي عنصر يغلب عليه الانفعال يسبب قلق المؤمنين، ويصبح مثبطا ومنفرا. المؤمنون أبرار، والبر حسن الخلق، فمن لا حظ له فيه يستعان بما لديه من خير لكن لا يعول عليه.
وغياب هذه الشعبة من مجموع المؤمن تسقط أهليته للعضوية، لأنه لا صحبة مع سوء الخلق والانفعال الغضبي، ومعهما تسقط كل شعب هذه الخصلة.

منقول للافادة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://zidni3ilma.arabepro.com
 
الصحبة والجماعة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى زِدْنِي عِلماً القانوني :: فضاء التحصيل القانوني و المعرفي بكلية الحقوق سلا :: موسوعة عامة :: مواضيع مختلفة :: شؤون عامة :: الموسوعة العربية-
انتقل الى: