منتدى زِدْنِي عِلماً القانوني

لطالب العلم عز الدنيا وفوز الآخرة وخير الناس من نفع الناس
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 المرحلة القضائية في مسطرة التحفيظ العقاري

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
سعيد الزعيم
Admin
avatar

عدد المساهمات : 319
تاريخ التسجيل : 08/11/2012
العمر : 29

مُساهمةموضوع: المرحلة القضائية في مسطرة التحفيظ العقاري    الثلاثاء أغسطس 20, 2013 4:21 pm

من اعداد الطالب :

الزيادي هشام
مقدمة:
تتطلب دراسة المرحلة القضائية في مسطرة التحفيظ، أن نقيم رابطة ما بين المرحلة الإدارية، باعتبارها المرحلة الأساس التي تنشأ في حضنها مسطرة التحفيظ، وبين الأسباب والحالات التي تحتم على المحافظ العقاري إحالة الملف إلى القضاء، وبالتالي الحديث عن المرحلة القضائية.
معلوم على أن مسطرة التحفيظ هي مجموعة من الإجراءات القانونية المنصوص عليها في إطار ظهير 12 غشت 1913. المتعلق بالتحفيظ العقاري، والتي يجب أن يمر بها العقار المراد تحفيظه، الهدف منها، هو التأكد والتحقق من الوضعية الهندسية والقانونية للعقار بدقة، وتطهيره من كافة الحقوق والتحملات والتكاليف غير الثابتة، حتى لا تسجل بالسجلات العقارية إلا الحقوق المشروعة. والملاحظ بخصوص مسطرة التحفيظ أنها تتضمن مرحلة أساسية وجوهرية هي مرحلة التعرضات، هذه الأخيرة تكرس إلى حد بعيد مبدأ من مبادئ نظام الشهر العيني ألا وهو مبدأ التطهير المسبق للعقار.
والذي يهمنا في هذا المقام، ليس هو دراسة التعرضات بدرجة أولى وإنما إقامة رابطة ما بين مرحلة التعرضات والمرحلة القضائية في مسطرة التحفيظ، بمعنى آخر كيف يؤدي التعرض في حالات معينة إلى تجميد مسطرة التحفيظ، وعرض الخصومة على القضاء لاستصدار حكم في الموضوع؟.
إذا كانت صور التعرض غير واردة على سبيل الحصر وإنما على سبيل المثال في مختلف كتب الفقه، فالذي يهمنا هو نوعين من التعرضات، تعرضات بسيطة، وتعرضات معقدة، فالنوع الأول من هذه التعرضات، غالبا ما يتوصل المحافظ العقاري إلى إبرام صلح بين الطرفين -حالة التعرض على حدود العقار مثلا- أما النوع الثاني من هذه التعرضات والتي تنطوي على منازعة جدية بين طرفيها لكل منهما وثائقه و مستنداته التي يؤيد بها مزاعمه –مثلا حالة المنازعة في أصل الملكية- غالبا ما تكلل محاولة الصلح التي يجريها المحافظ العقاري بالفشل. ولا يبقى أما هذا الأخير سوى إحالة الملف على القضاء للبث في النزاع.
مما سبق جاز القول بأن الحديث عن المرحلة القضائية رهين بفشل محاولة الصلح المجراة من طرف المحافظ العقاري أو عدم رفع التعرض أو قبوله من لدن طالب التحفيظ. لهذا فإن المرحلة القضائية -باعتبارها مرحلة استثنائية- تكتسي أهمية بالغة في إطار مسطرة التحفيظ، ومعالجتها تستوجب الإجابة عن مجموعة من التساؤلات، بدءا من ملف الدعوى وتحديد صفات أطرافه، من هو الشخص المدعي، ومن هو الشخص المدعى عليه؟ من الذي يتحمل عبء الإثبات؟ هل يجوز تدخل الغير في الدعوى؟ هل يمكن تغيير صفات أطراف الدعوى؟ وما هو مصير طلبات المودعين المسجلين في سجل التعرضات في المحافظة العقارية؟ وهل يستطيعون أن يكونوا طرفا في الدعوى؟ وما مصير الدعاوى ذات العلاقة بالعقار موضوع التحفيظ والتي تنظر أمام المحاكم العادية الأخرى؟ ما هو القانون الواجب التطبيق على موضوع النزاع؟ ثم ما هو مسار الدعوى أمام كل من المحكمة الابتدائية ومحكمة الاستئناف ثم المجلس الأعلى؟ وما هي مختلف طرق الطعن المتبعة في ذلك؟
من هنا تتضح الخطوط العريضة للموضوع، والذي سيتم تناوله وفق تصميم ثنائي ممنهج على الشكل الآتي:
المبحث الأول: القواعد العامة الواجب مراعاتها من لدن قضاء التحفيظ على موضوع التعرضات.
المبحث الثاني: مسار الدعوى أمام القضاء.

المبحث الأول: القواعد العامة الواجب مراعاتها من لدن قضاء التحفيظ على موضوع التعرضات
أما كان قضاء التحفيظ، قضاءا استثنائيا، فإن المشرع أناط به مجموعة من القواعد الواجب مراعاتها عند نظره في التعرضات، والتي يمكن إجمالها فيما يلي:
القاعدة الأولى: مجال اختصاص قضاء التحفيظ العقاري
استنادا إلى ما ورد النص عليه في إطار الفصل 37 من ظهير التحفيظ العقاري فإن المحكمة عند نظرها في التعرضات تكون محصورة ومقيدة بمجموعة من الضوابط، تجعل حدودا لاختصاصها، مما يعني أن التعرض لابد لإثارته أن تتحقق الشروط التالية:
- أن يتعلق التعرض بحق عيني؛
- أن يكون التعرض محصورا في نطاق مطلب التحفيظ؛
- أن يمارس التعرض ضد طالب التحفيظ لا ضد متعرض آخر.
أولا: أن يكون التعرض متعلقا بحق عيني
وهذا يعني أن المتعرض هو الآخر يكون مقيدا، بحيث لا يسوغ له المطالبة سوى بحقوق عينية عقارية، وهي الحقوق المنصوص عليها في إطار الفصل 8 من ظهير 19 رجب 1333 الموافق ل 2 يونيو 1915، كما هو الحال بالنسبة لحق الملكية وحق الانتفاع، حق الارتفاق، وكذا الدعاوى العينية العقارية كدعاوى الاستحقاق والزور العارض وحق الشفعة و دعاوى الحيازة ودعاوي الرهن الرسمي وبمفهوم المخالفة تكون المحكمة غير مختصة في أي مطالبة ليست لها علاقة بالحالة القانونية للعقار. إلا أنه مع ذلك، يمكن أن تنظر المحكمة في الدعاوي الشخصية والعقارية مثل الدعاوي المتعلقة بالوعد بنقل حق عيني عقاري شريطة أن يكون محور هذه الطلبات، الوضعية القانونية للعقار المراد تحفيظه، وكذا دعوى تسجيل الكراء الذي تتجاوز مدته 3 سنوات. لكن هذه الطلبات يجب أن تصاغ شكلا كالتعرضات وتضع المحكمة يدها عليها بنفس الكيفية التي تضع بها يدها على التعرضات تطبيقا للفصول 24 و 32 من ظهير التحفيظ العقاري وكذا الفصل 6 من القرار الوزيري الصادر في 3 يونيو 1915 .
ثانيا: بقاء التعرض محصورا في نطاق مطلب التحفيظ
من البديهي أن يقدم تعرض على ملك لم يكن محل تحفيظ، وبالتالي فإن حقوق المتعرض يجب ألا تستعمل إلا في نطاق العقار المزمع تحفيظه، ومنه فإن المتعرض لا يملك حق توسيع تعرضه بقدر ما يملك حق تقليصه أو رفعه طبقا للفصل 37 من ظهير التحفيظ العقاري.
ثالثا: ممارسة التعرض ضد طالب التحفيظ لا ضد متعرض آخر
لا تنظر المحكمة إلا في العلاقة الموجودة بين المتعرضين وطالب التحفيظ ولا تفصل بين المتعرضين ضد بعضهم البعض، وعليه فإن المحكمة لا تبت سوى في وجود الحق الذي يدعيه المتعرض، وفي طبيعته ومداه، ولا حق لها أن تنظر في أحقية مطلب التحفيظ الذي يستطيع المحافظ وحده أن يقبله أو يرفضه وفي هذا الاتجاه نجد أن المجلس الأعلى قد أكد هذه القاعدة من خلال قراره الصادر ب 13 يونيو 1988 الذي جاء فيه "لكن حيث أنه بمقتضى الفصل 37 من ظهير التحفيظ العقاري الموافق ل 12 غشت 1913، فإن محكمة التحفيظ إنما تفصل في النزاع الذي يثيره المتعرض ضد طالب التحفيظ ولا تختص بالنظر في النزاع الذي يثيره المتعرضون فيها بينهم" هذا مع العلم أن المجلس الأعلى قد سبق له أن قضى في قرار له بتاريخ 24/10/1960 بأن "القضاة لا يتجاوزون حدودا لاختصاصاتهم حينما يحللون حقوق طالب التحفيظ قصد تقييم طلبات المتعرض".
من هنا نستنتج على أن الاجتهاد القضائي أكد المبدأ الذي يقضي بأن المحكمة المختصة لا تبت في النزاعات القائمة بين المتعرضين. ونتيجة لذلك فإن كل نزاع يجب أن يفحص ويحكم فيه بصفة مستقلة، إذ أن المحكمة تبت فقط في حقوق كل متعرض في مواجهة طالب التحفيظ لا في مواجهة المتعرضين الآخرين. كما أكد الاجتهاد القضائي مبدأ آخر مفاده أن استئناف المتعرضين لا يمكن أن يكون مقبولا إلا إذا كان موجها ضد طالب التحفيظ على أساس أن آثار الحكم تنحصر بين المتعرضين وطالب التحفيظ.
لكن هذا الحل كما أشير إليه لم يفتأ أن خلق بعض الصعوبات الدقيقة فالقرار الصادر في مادة التحفيظ العقاري ليس له قوة الشيء المقضي به في العلاقة ما بين المتعرضين، وحتى يمكن إنهاء النزاع بصفة قطعية يجب أن يتقدم أحد المتعرضين بمطلب جديد للتحفيظ يمكن لباقي المتعرضين الآخرين أن يتعرضوا عليه. وهكذا فإن المسطرة الجديدة تؤدي إلى تأخر طويل في تصفية الحالة، بينما كان بالإمكان فحص النزاع المتعلق بمطلب التحفيظ الأول، والمحكمة تتوفر على كل العناصر المفيدة بأن تبت بصفة نهائية بين جميع الأطراف. ولعل هذا الجانب هو الذي يجب انتقاده في الاجتهاد القضائي، ذلك أنه من الصعب من الناحية العملية أن يقتصر دور المحكمة عندما تكون هناك عدة تعرضات موضوعها واحد، على فحص حق كل متعرض في مواجهة طالب التحفيظ دون حق كل متعرض في مواجهة المتعرض الآخر .
القاعدة 2: إن محكمة موقع العقار هي المحكمة المختصة للنظر في التعرضات على مطالب التحفيظ
والمقصود بذلك المحكمة الابتدائية التي يوجد بدائرة نفوذها العقار الذي قدم مطلب تحفيظ بشأنه، والملاحظ أن المتعرض لا يلجأ إلى المحكمة بصورة مباشرة وإنما يتعين عليه وضع تعرضه لدى المحافظة العقارية المختصة وذلك بعد أن يتأكد المحافظ العقاري من استيفاء التعرض لشروطه القانونية ولم يقع التسليم به من طرف طالب التحفيظ، ولم يتم إجراء صلح بشأنه. في هذه الحالة يعمد المحافظ إلى إحالة الملف على المحكمة.
وقبل صدور ظهير 15 يوليوز 1974 كان التساؤل مطروحا حول من هو القاضي الذي سيتولى البث في ملف التحفيظ؟ هل القاضي الشرعي أم قاضي التحفيظ العقاري؟ لقد كان الاجتهاد القضائي منذ صدور ظهير التحفيظ العقاري وتطبيقه من سنة 1915 إلى غاية سنة 1959، يؤكد على أن قاضي التحفيظ العقاري هو الذي يختص في كل القضايا المتعلقة بالعقارات التي توجد في طور التحفيظ، بمعنى آخر، بمجرد وضع مطلب التحفيظ لدى المحافظة العقارية يخرج العقار من اختصاص القضاء الشرعي، لا مجرد وضع مطلب التحفيظ إلا أنه منذ توحيد المحاكم بمقتضى ظهير 1965 وصدور ظهير 1974 المتعلق بالتنظيم القضائي الجديد، فإنه لم يبقى أي إشكال، إذ أصبحت المحاكم الابتدائية ذات الولاية العامة للنظر في جميع النزاعات التي تقع بشأن العقارات محفظة كانت أم غير محفظة.
ولما كانت المحكمة الابتدائية التي يوجد بدائرة نفوذها العقار المزمع تحفيظه هي التي يرجع لها الاختصاص للبت في التعرضات، فإنها تكون ملزمة على التقيد بملف التعرض كما أحيل إليها دون أي تعديل أو تغيير في أحد الأطراف. ويترتب عن هذا المبدأ نتيجتين أساسيتين هما:
أولا: ليس للمحكمة أن تفحص حقوق طالب التحفيظ وتقرر بشأنها
بالرجوع إلى الفقرة الثانية من الفصل 37 من ظهير التحفيظ يتضح أن المحكمة مطالبة بالبت فقط في الحق المدعي به من قبل المتعرضين، أي فقط في حدود التعرضات، وأنه ليس لها أن تقرر بشأن مطلب التحفيظ، لأن ذلك يدخل في صلاحية المحافظ على الأملاك العقارية الذي يرجع له وحده، دون غيره، النظر في قبول التحفيظ أو رفضه كلا أو بعضا.
وكما تمت الإشارة في مقدمة هذا الموضوع فإن هذه الفقرة لم تكن موجودة في النص الأصلي لسنة 1913 الذي تم تعديله بموجب ظهير 24 شتنبر 1917.
ومنذ هذا التاريخ استقر العمل القضائي على أنه ليس للمحكمة أن تبت في حقوق طالب التحفيظ ولا أن تقرر بشأن المطلب. فقد ورد في قرار لمحكمة الاستئناف بالرباط بتاريخ 21 مارس 1923: "أن تفحص حقوق طالب التحفيظ يرجع في حد ذاته للمحافظ وأما المحكمة فليس لها سوى البت في ادعاءات المتعرضين" . وورد أيضا في قرار آخر لمحكمة الاستئناف بالرباط بأنه "إذا لم تكن حقوق المتعرض مؤسسة قضت المحكمة بعدم صحة التعرض، دون أن تتطرق إلى البت في المطلب في حد ذاته، حتى ولو أن نفس دواعي تفحص الأول تدعو إلى تفحص الثاني للتقرير" .
وجاء موقف محكمة الاستئناف بالرباط أكثر وضوحا في قرار لها في قضية كان قد تقدم فيها أحد الخواص بمطلب لتحفيظ قطعة أرضية سنة 1942 فتعرضت مصلحة المياه والغابات على هذا المطلب، فعرض النزاع على محكمة الدرجة الأولى بمراكش فقضت بأن تعرض مصلحة المياه والغابات جاء مؤسسا وأن مطلب التحفيظ يتعين رفضه وعدم قبوله، فاستأنف طالب التحفيظ هذا الحكم فقررت محكمة الاستئناف بالرباط، استنادا إلى مقتضيات الفقرة الثانية من الفصل 37 من ظهير التحفيظ، الغاء الحكم الابتدائي وصرحت بأنه "لم يكن لمحكمة أن تبت في قبول أو عدم قبول مطلب التحفيظ .
ثانيا: لا تملك المحكمة حق الفصل بين المتعرضين
انطلاقا من قاعدة حصر دور محكمة التحفيظ في البت في حدود التعرض، استنتج الاجتهاد القضائي بأنه عندما تكون هناك تعرضات كثيرة ومختلفة في مواجهة نفس مطلب التحفيظ وتحال على المحكمة المختصة فإنه في واقع الأمر لا يوجد هناك نزاع واحد بل هناك عدد من النزاعات بعدد التعرضات، حتى ولو كان موضوع هذه التعرضات جميعا واحدا، باعتبار أن كل تعرض يشكل دعوى مستقلة في مواجهة مطلب التحفيظ، وهكذا جاء في قرار لمحكمة الاستئناف بالرباط بتاريخ 31 يناير 1922 بأن "ادعاءات المتعرضين المختلفة التي لها نفس الموضوع لا يبت فيها فيما بينها" ، ولحق هذا القرار أحكام وقرارات أخرى مماثلة. وجاء أيضا المجلس الأعلى ليؤكد هذا المبدأ القار في عدة قرارات له، نذكر منها مثلا القرار المدني عدد 181 بتاريخ 29-4-1959 الذي جاء فيه "بأن قضاة الموضوع لا يملكون في قضايا التحفيظ حق الفصل بين المتعرضين، بل لهم أن ينظروا خاصة بين هؤلاء وطالبي التحفيظ .
وتبنّى العمل القضائي لهذا الحل تستتبعه ولا ريب نتائج هامة أولاها أن الحكم الصادر لا يكتسب حجية الشيء المقضي به فيما بين المتعرضين وهذا يحول دون تصفية النزاع بصفة نهائية بخصوص العقار، إذ أن المتعرض الذي حكم له بصحة تعرضه لا يكون بمنأى عن تعرض المتعرضين الآخرين على المطلب الذي قد يتقدم به لتحفيظ العقار رغم أنهم سبق وأن ظهروا إلى جانبه في مسطرة تحفيظ سابقة، وبخصوص نفس الموضوع. وثانيها أن تطبيق مبدأ عدم جواز الفصل بين المتعرضين بحذافره قد يؤدي إلى الحكم بصحة عدة تعرضات في آن واحد، مع أنها منصبة جميعها على نفس الحق. وإذا استثنينا حالة الشياع فإنه لا يمكننا أن نتصور سوى صاحب حق واحد على العقار موضوع النزاع، وفي إطار قاعدة عدم اختصاص المحكمة للنظر في حقوق المتعرضين في مواجهة بعضهم البعض في حالة تعدد التعرضات التي يكون موضوعها واحدا، استخلص الاجتهاد القضائي أيضا أن المتعرض الذي حكم بعدم صحة تعرضه ابتدائيا لا يمكنه استئناف هذا الحكم في مواجهة متعرض آخر حكم له بصحة تعرضه ما دام طالب التحفيظ لم يستأنف هذا الحكم، وقد كان لمحكمة الاستئناف بالرباط قـرارات عديدة في هذا الصـدد، نذكـر منها مثـلا قرار 23 مـاي 1923 وقـرار 15 ينايـر 1924 ، حيث قررت بأن استئناف طالب التحفيظ الموجه ضد متعرض لا يسمح لمتعرض آخر أن يتقدم باستئناف فرعي. وقد جاء في تعليل هذا القرار: "حيث أن الاستئناف الفرعي المقدم من طرف إدارة المصالح السياسية لفائدة جماعة آيت مخلوف غير مقبول، إذ أن الحكم قضى بعدم قبول تعرض جماعة آيت مخلوف وبصحة تعرض علي أو رامي باسم ايت رحو وفقط في مواجهة هؤلاء الآخرين وجه المستأنف طالبا التحفيظ بيراتراك وكيتيار استئنافهما.
إلا أنه جاء قرار المجلس الأعلى الصادر بتاريخ 25 يونيو 193 في قضية بوشتة ولد علي ضد عبد السلام بن أحمد رزوك ليقلب الاجتهاد القضائي لمحكمة الاستئناف بالرباط الذي فرض نفسه حقبة من الزمن وليقرر بأن محكمة التحفيظ العقاري تعرف درجتين للتقاضي وأن المتعرض الذي خسر دعواه ابتدائيا يجب في جميع الأحوال قبول الطلب الرامي إلى نشر الدعوة من جديد أمام محكمة الاستئناف من أجل النظر في مزاعمه حتى ولو أن قاضي الدرجة الأولى، في الوقت نفسه، الذي نبت في تعرضه بت أيضا في تعرض آخر ينصب على نفس الموضوع وقضى بصحة هذا الأخير ولم يقم طالب التحفيظ باستئناف هذا الحكم.
ولا يمكن أن يواجه المستأنف وهو المتعرض الذي قضى بعدم صحة تعرضه بأن محكمة التحفيظ لا تفصل بين المتعرضين، فالنزاع والحالة هذه يستمر أمام محكمة الاستئناف بالشكل الذي كان معروضا فيه على محكمة الدرجة الأولى، أي بين طالب التحفيظ والمتعرضين .
وتجدر الإشارة هنا إلى أن محكمة الاستئناف عندما تنشر القضية أمامها من جديد في هذه الحالة فإنها لا تبحث تعرض الطرف المستأنف في مواجهة الطرف الذي شاركه في التعرض والذي قضى بصحة تعرضه ابتدائيا ولكن تبحثه في مواجهة طالب التحفيظ نفسه.
القاعدة 3: إن قضاء التحفيظ هو قضاء استثنائي سواء من حيث نطاق التعرضات أو من حيث مدى السلطة المخولة للمحكمة
فمن حيث نطاقه فإن حق التعرض يثبت لكل من نص عليهم الفصل 24 من ظهير التحفيظ العقاري والمعدل بمقتضى ظهير 25 غشت 1954. أما من حيث السلطة المخولة للمحكمة، فإنها تتمثل في النظر في مدى مشروعية الحق الذي يطالب به المتعرض، دون أن تنظر في قبول مطلب التحفيظ أو رفضه لأن ذلك من اختصاص المحافظ العقاري. وإذ ما حكمت المحكمة لصالح المتعرض بقرار نهائي، وأحيل الملف على المحافظ العقاري، وطلب من المتعارض إيداع مطلب للتحفيظ وفقا للمسطرة السريعة المنصوص عليها في الفقرة الأخيرة من الفصل 37 من ظهير التحفيظ العقاري، فإن هذا المطلب يكون عرضة للتعرض وتبت فيه المحكمة بعد إحالته عليها من طرف المحافظ وهكذا...
القاعدة 4: القانون الذي يطبقه قضاء التحفيظ في موضوع الدعوى
إن القواعد القانونية التي يخضع لها قضاء التحفيظ، منها ما يطبق على أساس الدعوى، أي على موضوع النزاع فيها، ومنها ما يتعلق بمستوى الإجراءات، وبالتالي فإن المحكمة تكون مقيدة عند نظرها في التعرضات على مطالب التحفيظ بأن تطبق عليها قواعد الفقه الإسلامي على ما جرى به العمل من مذهب الإمام مالك، كما لو كان الأمر يتعلق بنزاع حول حق الشفعة أو حق الارتفاق الإسلامي، أما من حيث الشكل فإنها تنظر في التعرضات على مطالب التحفيظ بناءا على القواعد المنصوص عليها في قانون المسطرة المدنية كلما لم يوجد نص خاص في قانون التحفيظ العقاري. (الفقرة الثانية من الفصل 34 من ظهير التحفيظ العقاري).
فالتبليغات مثلا، تنظم وتوجه وفقا للأصول المنصوص عليها في المسطرة المدنية وبنفس الوقت يجب مراعاة مقتضيات المادة 35 من ظهير 9 رمضان 1331 التي توجب تبليغ أطراف الدعوى بموعد جلسة المحاكمة قبل ثمانية أيام على الأقل مع تذكيرهم في ورقة التبليغ بأنهم يستطيعون أن يحضروا الجلسة المذكورة بغير وكيل عنهم، وأنهم إن شاؤوا أرسلوا إليها وكيلا عنهم.
القاعدة 5: خصوصيات الإثبات في قضايا التعرض:
لقد استقر الاجتهاد القضائي منذ زمن قديم على اعتبار المتعرض مدعيا يقع عليه عبء الإثبات، أما طالب التحفيظ فيعتبر في وضعية المدعى عليه وهو معفي من كل إثبات وأنه يكفي قبول المحافظ فتح مطلب التحفيظ ليستريح طالب التحفيظ من الإثبات وينقلب ذلك على المتعرض ويتضح ذلك من الفصل 37 من ظهير التحفيظ والذي يلزم المحكمة أن تبت في وجود الحق المدى به من قبل المتعرضين ونوعه ومحتواه دون أن يشير الفصل إلى طالبي التحفيظ.
وقد استقر الاجتهاد القضائي على ذلك إذ صدر عن المجلس الأعلى عدة قرارات منها القرار الذي جاء فيه "يعتبر طالب التحفيظ مدعى عليه في دعوى التعرض ولهذا فهو غير ملزم بأن يدلي أمام المحكمة بالحجة حتى يدعم المتعرض دعواه بحجة أقوى، ويقتصر نظر المحكمة على البت في الحقوق المدعى بها من طرف المتعرض وفي حالة عدم اقتناعها بوجود تلك الحقوق تكون غير مؤهلة للبت في حجة طالب التحفيظ الذي يتخذ المحافظ حينئذ بشأنه ما يراه مناسبا" وكذلك إلى القرار الذي جاء فيه (المحكمة المحال عليها النزاع المتعلق بالتحفيظ لا تكون مؤهلة لمناقشة حجج طالب التحفيظ باعتباره مدعى عليه إلا إذا أدلى المتعرض بصفته مدعيا بحجج سليمة من المأخد والمحكمة كانت على صواب لما استبعدت حوز المتعرض لأرض المطلب لما ثبت لها أنه كان عن طريق الإسكان من البائعين لطالب التحفيظ.
كما أن القرار عدد: 2953 الصادر بتاريخ 18-12-1985 جاء فيه "محكمة التحفيظ غير مؤهلة بالبت إلا في وجود الحق الذي يدعى به المتعرض به طالب التحفيظ الذي يبقى للمحافظ حق النظر فيه.
لهذا إذا المتعرض لم يدل بحجج مقبولة لإثبات ما يدعيه فإن المحكمة لا تكون لها صلاحية مناقشة حجج طالب التحفيظ أما إذا أدلى المتعرض بالحجج التي تعزز دعواه فإن ذلك يكون للمحكمة أن تناقش حجج الطرفين، وتقارن بين قوة إثبات كل حجة يهدف البث في دعوى التعرض).
أشير إلى أنه صدر قرار عن المجلس الأعلى بتاريخ 31 ماي 1971 تضمن بأن القضاة الذين يبثون في النزاعات المتعلقة بالتحفيظ العقاري يكونون ملزمين بدرس وفحص حجج طالب التحفيظ ومعرفة هل هي فعلا قابلة للتطبيق بصفة لا جدال فيها على موضوع المطلب ومدى درجتها الثبوتية.
وإن هذا القرار صدر إثر الطعن بالنقض المقدم من طرف الدولة المغربية وزارة الفلاحية والإصلاح الزراعي التي سبق لها أن تعرضت على مطلب التحفيظ تقدم به أحد الخواص بهدف تحفيظ غابة شاسعة الأطراف تقع بين مدينة شفشاون وتطوان مستندا على رسم قديم، وبما أن الدولة المتعرضة اكتفت في سند تعرضها بالقول بأن الشأن في الغابة أنها ملك للدولة دون الإدلاء بأية حجة لتعزيز هذا الإدعاء فقد صدر الحكم ابتدائيا واستثنافيا بعدم صحة التعرض الحكم الذي قضى المجلس الأعلى بنقضه.
مما سبق يمكن القول بأن الاجتهاد القضائي قد استنتج انطلاقا من الفقرة الثانية من الفصل 37 من ظهير التحفيظ العقاري بأن المتعرض هو الذي يعتبر طرفا مدعيا وبالتالي يقع عليه عبء الإثبات، وهذه القاعدة وضعتها استئنافية الرباط منذ العشرينات وجاء المجلس الأعلى ليتبناها بدوره في قرار 25 يونيو 1963، وفي قرارات أخرى لاحقة. ويشير الأستاذ روش في تعليق له بصورة لا منطقية، ذلك أن عبء الإثبات مسألة موضوع وقد استقر العمل على أن جوهر الحق في القضايا التي في طور التحفيظ يبقى خاضعا لقواعد الشريعة الإسلامية وأن قواعد الفقه الإسلامي هي الواجبة التطبيق في الموضوع. وبالرجوع إلى هذه القواعد نجد أن قرينة حق الملكية تلعب لفائدة من بيده الحيازة. ويرى الأستاذ روش بأن صفة المدعي المعطاة للمتعرض صفة مصطنعة مردها قاعدة شكلية تستند إلى أن المتعرض بتعرضه ضد مطلب التحفيظ يعطي ميلادا للنزاع، وأن هذه القاعدة ليس لها أي سند قانوني.
وأن اتباع مسطرة التحفيظ والسبق إليها لا يجب أن يعفي صاحبها من عبء الإثبات، إذا لم يكن حائزا، إذ يجب أن يوضع في مرتبة أدنى من ذلك الذي، وإن لم يسارع إلى طلب التحفيظ، بيده الحيازة.
هل تملك المحكمة صلاحية تقييم حجج طالب التحفيظ في إطار الموازنة بين حجج الأطراف؟
إذا كان الاجتهاد القضائي قد استقر لفترة طويلة على حصر دور المحكمة في تقييم حجج المتعرضين، عملا بظاهر الفقرة الثانية من الفصل 37 من ظهير التحفيظ، فإن لهذا الاتجاه ما يبرره عندما يكون التعرض مؤسسا أصلا حيث جاء في هذا السياق قرار للمجلس الأعلى بتاريخ 16-7-976 "يقتصر نظر قاضي التحفيظ على البت في الحقوق المدعى بها من قبل المتعرضين وعند عدم اقتناعه بوجود تلك الحقوق لا يكون مؤهلا للبت في الحجج المؤيد بها طلب التحفيظ الذي يتخذ المحافظ في شأنه ما يراه مناسبا" وذلك للعلة التي يشير إليها المجلس في إحدى قراراته وهي "أن طلب التحفيظ يعطي لصاحبه صفة المدعى عليه ولا يجب عليه الإدلاء بحجة حتى يدعم المتعرض تعرضه بحجة قوية" .
ولكن عندما يؤسس المتعرض تعرضه فإنه: "لا يوجد ما يمنع قضاة الموضوع من الأخذ بعين الاعتبار بحجج طالب التحفيظ لتقدير حجج المتعرض" ، وجاء أيضا في قرار المجلس بأنه "إن كان الفصل 37 من ظهير 12 غشت 1913 المتعلق بالتحفيظ العقاري ينص على أن المحكمة تبت في ما يخص وجود ومدى الحق المدعى به من طرف المتعرضين. فإن هذا النص لا يمنع قضاة الموضوع من فحص الرسوم المستدل بها من لدن الأطراف ليقارنوا بين قوة إثبات كل رسم وذلك لما يملكون من كامل السلطة في هذا الشأن .
خلاصة القول فالاجتهاد القضائي الذي تبنى مفهوم الفقرة الثانية من الفصل 37 بصورة لا منطقية قد جعل من واقعة السبق إلى تقديم مطلب لتحفيظ العقار، قرينة على الملكية تلعب لفائدة طالب التحفيظ سواء كان صاحب حق أم كان غاصْبا متحايلا، فيكون الاجتهاد القضائي بذلك قد ضرب عرض الحائط قاعدة جوهرية في الفقه الإسلامي تذهب إلى أن افتراض الملكية يكون لصالح من بيده الحيازة.
ألا يمكن القول بأن هذا الاتجاه لا يستقيم مع المفاهيم الاجتماعية والسلوك الذي اعتاده المغاربة في ميدان المعاملات العقارية والقضائية، كما لا ينسجم مع المنطق القانوني الذي يسلم بأن العقار يظل خاضعا لأحكام الفقه الإسلامي، ما دام لم يصدر بشأنه قرار بالتحفيظ.

المبحث الثاني: مسار الدعوى أمام القضاء
يقصد بمسار الدعوى أمام القضاء، مختلف المراحل التي تقطعها الدعوى أمام مختلف المحاكم بدأ من المحكمة الابتدائية التي يوجد بدائرة نفوذها العقار موضوع النزاع ومرورا لمحكمة الاستئناف ووصولا إلى المجلس الأعلى.
المرحلة الأولى: المحكمة الابتدائية
بعدما يحال الملف من طرف المحافظ العقاري على المحكمة الابتدائية المختصة تحيل كتابة الضبط الملف على رئيس المحكمة الذي يعين قاضيا مقررا لجعل القضية قابلة للبت فيها، ويتمتع بكافة الصلاحيات التي تمكنه من التوصل إلى الحقيقة، فله أن يستمع إلى أطراف الدعوى بمكتبه وأن يستمع إلى الشهود وأن يقوم بمعاينة العقار موضوع النزاع وتحديد الأجزاء المتنازع عليها وذلك بمساعدة المهندس المساح. كما له أن يستعين بالخبير. بعد ذلك يضع تقريره عن القضية ويحدد تاريخ الجلسة التي ستدرج فيها القضية، ويقوم بإبلاغ الأطراف بذلك، وفي اليوم المعين للجلسة يقوم القاضي المقرر بتلاوة تقريره الذي يحدد فيه بدرجة أولى نقط النزاع دون الإدلاء برأيه، بعد ذلك تستمع المحكمة لأطراف النزاع وشهادة الشهود، ثم تقرر المحكمة إدخال القضية للمداولة، ثم بعد ذلك تصدر حكما إما بصحة التعرض وإما برفضه، وتبت كذلك في المصاريف، وحكمها هذا يكون قابلا للاستئناف.
وإذا كان المشرع قد أعطى الحق لكل شخص له مصلحة في النزاع أن يتدخل في المرحلة الابتدائية أو أن يدخل غيره طبقا للمادة 103 و 111 من قانون المسطرة المدنية، أو أن يتدخل في المرحلة الاستئنافية إذا كان ضمن من لهم الحق في أن يستعملوا تعرض الغير الخارج عن الخصومة، فإن مسطرة التحفيظ لا تسمح لأي شخص بالتدخل في الدعوى طبقـا لمفهوم الفصليـن 111 و 144 من ق.م.م وكذا صراحة الفصل 84 مـن
ظهير 1913 والفصل السابع من القرار الوزيري المؤرخ ب 3 يونيو 1915. وبناء على الفصل 84 من ظهير التحفيظ العقاري وكذا الفصلين 7 و 8 من القرار الوزيري فإن أي تدخل في المسطرة القضائية أمام المحكمة الابتدائية لا يمكن أن يتم إلا عن طريق تعرض يقدم للمحافظة في حالة وقوع تعديل أو نشوء حق.
لكن التساؤل المطروح، هو ما العمل إذا وقع الانتقال أو التعديل والمسطرة جارية أمام محكمة الاستئناف؟ أليس من حق الخلف الخاص أو العام التدخل؟
الجواب، نعم؛ شرط أن يودعوا لدى المحافظة ما يثبت صفتهم ليأخذوا رتبتهم في التسجيل، وليكون القرار الذي يصدر عن المحكمة شاملا لهم في إبلاغ هذا التعديل إلى المحكمة قبل إصدار قرارها في الموضوع.
وتجدر الملاحظة في الأخير، إلى أن الحكم الصادر عن المحكمة الابتدائية بشأن التعرضات يتميز بخاصية أساسية وهي أنه يعتبر حكما ابتدائيا وحضوريا سواء حضر الأطراف أو لم يحضروا، وسواء قدموا مذكرات أو لم يقدموها. كما أن الحكم الصادر يجب أن يكون معللا تعليلا كافيا إذ جاء في إحدى قرارات المجلس الأعلى أنه "كل الأحكام يجب أن تكون معللة وأن تفي بنفسها الأغراض المطلوبة منها وعليه فإن المحاكم المكلفة بالفصل في قضايا التحفيظ العقاري ليست معفاة بالرغم من سكوت ظهير 12 غشت 1913 من تبرير أحكامها ومن الخضوع لمقتضيات المسطرة المفروضة والتي تعتبر من النظام العام .

المرحلة الثانية: محكمة الاستئناف
تبدأ هذه المرحلة بالتعرض على الحكم الصادر عن المحكمة الابتدائية المختصة. والتعرض على هذه الأحكام لا يكون إلا عبر الاستئناف أو الطعن بالنقض أمام المجلس الأعلى، دون باقي الطعون الأخرى، أي الطعن بالتعرض، لأنها تصدر بصفة حضورية وعلنية، كما لا تقبل الطعن بإعادة النظر والتعرض الخارج عن الخصومة.
بعد رفع التعرض إلى محكمة الاستئناف، يعين مستشار مقرر، يتمتع بكافة الصلاحيات التي يتمتع بها القاضي المقرر بالمحكمة الابتدائية، حيث يتوفر هو الآخر على كافة الصلاحيات التي تجعل القضية جاهزة للحكم فيها، بعد ذلك، يعين تاريخ الجلسة، ويخبر الأطراف بذلك وفي اليوم المعين للجلسة، يتلو تقريره مركزا على نقاط النزاع دون إبداء رأيه، بعد ذلك تستمع المحكمة لأطراف النزاع، وتدخل القضية للمداولة وبعد ذلك، تصد المحكمة قرارها إما بقبول التعرض وإما برفضه، وهذا القرار يجب تبليغه برمته إلى الأطراف بخلاف الحكم الصادر عن المحكمة الابتدائية، حيث يبلغ الأطراف بمجرد خلاصة عنه.
المرحلة الثالثة: المجلس الأعلى
قبل صدور ظهير 27 شتنبر 1957 وظهير 26 ماي 1958 كانت جميع القضايا بما فيها –قضايا التعرضات يتم الطعن فيها أمام محكمة النقض الفرنسية. لكن بعد تأسيس المجلس الأعلى، وبعد صدور ظهير 1958 الذي غيَّر المقتضيات السابقة، أصبح الطعن يقدم أمام المجلس الأعلى، وأصبحت جميع مطالب التحفيظ قابلة للنقض.
والمشرع المغربي لم يضع إجراءات خاصة للنظر في التعرضات أمامه بخلاف ما فعله بخصوص المحكمة الابتدائية ومحكمة الاستئناف، الشيء الذي طرح مجموعة من التساؤلات، وفي بعض الأحيان إلى تضارب في الآراء، كما هو الشأن مثلا بالنسبة لأجل الطعن بالنقض بخصوص قضايا التحفيظ العقاري الصادر عن محاكم الاستئناف.

لقد اختلف الفقه المغربي حول حديد أجل نقض القرارات الاستئنافية الصادرة عن محاكم التحفيظ العقاري، إلى اتجاهين اثنين:
• الاتجاه الأول: يرى أن أجل نقض القرارات الاسئنافية الصادرة عن محاكم التحفيظ الاستئنافية محدد في شهرين اثنين مستنداً في ذلك على مقتضيات المادة 47 من قانون التحفيظ العقاري التي تعتبر مقتضيات خاصة .
• الاتجاه الثاني: يرى أن أجل نقض القرارات الاستئنافية الصادرة عن محاكم التحفيظ العقاري محدد في شهر واحد. مستندا في ذلك على مقتضيات الفصل 3 من ق.م.م الذي ينص على "... غير أنه تطبق مقتضيات هذا القانون حتى في القضايا التي تنظمها نصوص تشريعية وتنظيمية خاصة إذا لم يرد في هذه القوانين نص صريح خاص بها". وبما أن مقتضيات الفصل 47 من ظهير التحفيظ العقاري غير صريح ولم يحدد أجلا جديدا للنقض، وإنما أحال على الفصل 12 من الظهير المُحدث للمجلس الأعلى الذي أصبح بدوره كلفا، وعوض بفصل آخر هو الفصل 358 من ق.م.م، لذلك ينبغي الرجوع إلى مقتضيات ق.م.م في هذا الشأن.

وجهة نظر في الموضوع:
لقد شكلت مقتضيات المادة 12 من ظهير 27 شتنبر 1957 المتعلق بإحداث المجلس الأعلى أول قاعدة قانونية تحدد أجل النقض أمام المجلس الأعلى على اعتبارها أنها قاعدة أُنشأت بمناسبة إحداث المجلس الأعلى وقد جاء فيها ما يلي: "يحدد أجل رفع الدعوى إلى المجلس الأعلى في شهرين اثنين ابتداءاً من يوم تبليغ الحكم المطعن فيه إلى الشخص نفسه أو إلى محل سكناه، وذلك إذا لم توجد نصوص خصوصية تحدد آجالا أخرى".
إلا أنه وبعد صدور قانون المسطرة المدنية لسنة 1974، ألغى الفقرة الأولى من المادة 12 وذلك بمقتضى المادة 358 من ق.م.م حيث نصت على ما يلي: "يحدد بصرف النظر عن المقتضيات الخاصة أجل رفع الدعوى إلى المجلس الأعلى في ثلاثين يوما من يوم تبليغ الحكم المطعون فيه إلى الشخص نفسه أو إلى موطنه الحقيقي".
وبذلك أصبحت المقتضيات القانونية العامة المحددة لأجل رفع النقض أمام المجلس الأعلى حدده في شهر واحد بدلا من شهرين اثنين. إلا أن الإشكال الذي يطرح نفسه بشدة، هو هل يخضع حكم أجل النقض في قضاء التحفيظ العقاري للمقتضيات الإجرائية العامة المنصوص عليها في إطار المادة 258 من ق.م.م؟ وهل لمقتضيات المادة 47 من ظهير التحفيظ العقاري دور إيجابي لحل هذا الإشكال القانوني والقضائي؟
بالرجوع إلى مقتضيات المادة 47، يتبين أنها تحدد صراحة أجل نقض القرارات الصادرة في قضايا التحفيظ العقاري وإنما اكتفت بإحالة أحكام نقض هذه القرارات على مقتضيات الظهير المُحدث للمجلس الأعلى التي كانت تحدد أجل النقض في شهرين، إلا أن هاته المقتضيات القانونية ألغيت بمقتضى المادة 358 من ق.م.م. فإلى أي حد يمكن القول بأن مقتضيات المادة 358 قد حلت محل المادة 12 في حكم الإحالة عليها من طرف المادة 47 من قانون التحفيظ العقاري؟ وهل يمكن أن نستنتج من إلغاء مقتضيات المادة 12 بمقتضى المادة 358 على أنه تم إلغاء معها مقتضيات المادة 47 من قانون التحفيظ العقاري؟
إن مقتضيات المادة الرابعة من قانون المسطرة المدنية كفيلة بالإجابة عن هذا التساؤل حينما اعتبرت "أن الإحالات على مقتضيات النصوص التشريعية أو التنظيمية الملغاة بمقتضى هذا الظهير بمثابة قانون تسري على المقتضيات الموازية من القانون المضاف لهذا الظهير".
وتطبيقا لهذه المقتضيات القانونية، فإن مقتضيات المادة 358 من ق.م.م لسنة 1974 قد حلت محل مقتضيات المادة 12، وبالتالي يمكن صياغة المادة 47 من قانون التحفيظ العقاري بعد هذا الإلغاء كما يلي: "إن الأحكام الصادرة في موضوع التحفيظ يقبل الطعن عن طريق النقض المنصوص عليه في ق.م.م".
وبالتالي يتجلى التعارض البين بين تحديد أجل نقض القرارات القضائية الصادرة عن قضاء التحفيظ العقاري بمقتضى الفقرة الأولى من المادة 358 المحدد في أجل شهر واحد، تطبيقا لمقتضيات الإحالة من طرف الفقرة الأولى من المادة 47 من قانون التحفيظ العقاري وتنصيص نفس هذه المقتضيات بالفقرة الثانية والأخيرة على ضرورة تنبيه طالب النقض أن لهم أجلا محددا في شهرين اثنين ابتداءا من يوم التبليغ لممارسة الطعن بالنقض.
والمسألة هنا ليست مسألة نعارض بين حكم قديم خاص وحكم حديث عام كما ذهب بعض الفقه المغربي والذي أشار إلى التعارض بين مقتضيات المادة 47 والمادة 358 من ق.م.م، بحيث نعتقد أنه ليس هناك أي تعارض، لكون المادة 47 من قانون التحفيظ العقاري ليست نصا خاصا يحدد أجل النقض وإنما التعارض يكمن بين الفقرة الأولى من هذه المادة المحيلة على مقتضيات ق.م.م التي أضحت محددة لأجل النقض في شهر واحد وبين الفقرة الثانية من نفس المادة التي أبقت على الأجل الملغى الذي كان محددا في شهرين بمقتضى ق.م.م الجديد.
وأعتقد أن أساس هذا الإشكال إنما يعزى إلى إغفال المشرع المغربي تعديل مقتضيات الفقرة الثانية من المادة 47 بشكل ينسجم مع التعديل الوارد بالفقرة الأولى من نفس المادة. ومع ذلك يبقى أجل نقض القرارات الاستئنافية الصادرة عن محاكم التحفيظ العقاري محدد في شهر واحد لا غير، ذلك أن المقتضيات القانونية المعنية بتحديد هذا الأجل هي مقتضيات المادة 358 حسب إحالة الفقرة الأولى من المادة 47 من ظهير التحفيظ العقاري وليس القرة الثانية من نفس المادة، التي يفترض فيها أن تكون منسجمة مع مقتضيات الفقرة الأولى من المادة 47 وكذا الفقرة الأولى من المادة 358 من قانون المسطرة المدنية.
ويبت المجلس الأعلى بنفس الطريقة التي يبت فيها في القضايا الأخرى أي بمستشار مقرر وهيئة المحكمة والنيابة العامة.
والمجلس الأعلى إما يؤيد قرار محكمة الاستئناف وإما ينقصه ويمكنه أن يحيل الملف على محكمة استئناف أخرى.
وعلما أن قرارات المجلس الأعلى خاضعة للطعن بإعادة النظر، فإن خلافا وقع بشأن تطبيق هذا الفصل (375 وما يليه من ق.م.م) على قضايا التعرضات على مطالب التحفيظ.
وقد كان المجلس الأعلى في نيابة الأمر يرفض ذلك ولكنه مؤخرا أصبح يقبل الطعن بإعادة النظر وهذا فيه نوع من المجازفة على قضايا التحفيظ العقاري.

وخلاصة القول أن أنواع الطعن تتحدد في الطعن والاستئناف والنقض بدرجة أولى مع قبول المجلس الأعلى الطعن بإعادة النظر ضد قراراته.
إضافة إلى أن دور المحكمة ينحصر في البت في مدى مشروعية الحق الذي يطالب به المتعرض دون أي شيء آخر.
والتعرض بهذا المعنى يعتبر مرحلة مهمة لتدارك ما قد يشوب الأحكام الابتدائية من عيوب، وتخويل لطالب التحفيظ بتدارك ما فاته من الحجج والمؤديات للحفاظ على أحقيته في مطلب التحفيظ وللمتعرض لتأكيد مزاعمه.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://zidni3ilma.arabepro.com
 
المرحلة القضائية في مسطرة التحفيظ العقاري
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى زِدْنِي عِلماً القانوني :: مواضيع قانون خاص. :: مواضيع خاصة بالعقار-
انتقل الى: